مدرسة الإحياء و البعث
- المقصود بمدرسة الإحياء و البعث :
كما تعود الروح لجسم هامد، فيبعث إلى الدنيا من جديد بقلب و حـس واع. كان الحـال بالنسبة للشعر العربي فقد استسلم إلى حالة من الجمود أخذ علي أثرها ينـزل إلى مدارج الضعف و الانحلال منذ وقوع بغداد في أيدي التتـار ثم عادت إلى الشعر قوته على يد البارودى فكأنه بعث من جديد .
- أشهر الأسماء التي أطلقت على تلك المدرسة :
المدرسة الاتباعية ثم مدرسة الإحياء و البعث ثم مدرسة المحافظين ثم مدرسة الشعر العمودي و في النهاية سميت الكلاسيكية الجديدة على يد أحمد شوقي .
- و نحن نوافق على هذه التسمية لأن شعراءها ـ بالفعل ـ قاموا بإحياء الشعر العربي و بعثه بعد مرحلة من الضعف الشديد والجمود قبل بداية النهضة .
- مظاهر ضعف الأدب في هذا العصر [العثماني و المملوكي] :
1- تفاهة الموضوعات .        2 - ضعف الأسلوب .               3- تقليد القدماء .
- الأسباب التي أدت إلي ضعف اللغة العربية:
أ- تتريك الدواوين .
 ب- إلغاء ديوان الإنشاء .
جـ - عدم تشجيع المماليك و الأتراك للأدباء .
د - انتشار الجهل و الفقر و الاستبداد.
هـ - إغلاق المدارس و نقل الكتب و العلماء إلى تركيا.
و نتيجة لذلك صار الشعر كالجسم الهامد و أصبح في حاجة إلى بعثه من جديد.
تأثرت النهضة الأدبية الحديثة بعاملين أساسيين :
1- الاتصال بالحضارة الغربية الحديثة : عن طريق (الحملة الفرنسية علي مصر – والبعثات التعليمية – والترجمة – والهجرة إلي بلاد الغرب والمستشرقين .. ومدارس الإرساليات ، واستقدام أساتذة من الغرب للتدريس في مصر ، وإتقان بعض المثقفين العرب للغات الأجنبية ) .
2- الاتصال بماضينا الحضاري العريق : عن طريق (الوعي القومي ، و دعوات الإصلاح ، وإحياء التراث العربي  و انتشار المكتبات و المطابع ، و المجامع اللغوية ، والجمعيات الأدبية ) . و بذلك تم كسر سور العزلة عن مصر .
- رائد المدرسة (محمود سامى البارودى ) :
البارودي هو باعث الحركة الأدبية في العصر الحديث حيث ظهر البارودي في وقت كان الشعر العربي فيه مثقلاً بقيود الصنعة اللفظية ، و ركاكة الأسلوب ؛ نتيجةً لضعف الأمة العربية ، و خضوعها مئات السنين لحكم المماليك و الأتراك ، ولكن الله هيأ له أن يتلقى تعليمه في بيئة صحيحة ، بعيدًا عن أحوال الضعف الشاملة ، فأكب (عكف و أقام ) على قراءة الشعر الجاهلي و الأموي والعباسي ؛ فتأثر بهذا الشعر الجيد ، و تفاعل معه ، فاكتسب القدرة على محاكاته ، و السير على منهجه ؛ فنقل الشعر العربي من الضعف إلى القوة ، و تخطى الحواجز و حطم القيود ، و أحيا الشعر و بعثه من مرقده .
و أثبت أن اللغة العربية قادرة على البقاء و الحياة ، و أن أسباب ضعفها غريبة طارئة عليها . فهو يرى أن أسباب ضعف الشعر يرجع إلى ضعف الشعراء أنفسهم و ليس ضعفا فى اللغة . والدليل وجود شعر جيد فى عصور قوة الشعر كالجاهلى و الإسلامى و الأموى و العباسى .
العوامل التي هيأت للبارودي النبوغ في الشعر  
1-   موهبته الفطرية، واطلاعه على الأدب الجيد، مما تركه السابقون .
2-   حفظه لكثير من الشعر العباسي الأصيل .
3-   خبرته بالحياة السياسية، و اشتراكه في المعارك الحربية .
4-   اعتزازه باللغة الأصيلة، و نفوره من الصنعة اللفظية .
5-   إيمانه بعظمة أمته العربية و جمال لغتها الخالدة .
مظاهر التجديد في الشعر عند البارودي و دوره فى إحيائه
ظهر صوت البارودي رصيناً قوياً في عباراته و ألفاظه متيناً في أساليبه صافيا في أخيلته ، شريفاً في معانيه مشرقاً في ديباجته جزلاً في تراكيبه ، فلقد استطاع أن يعيد الحياة للشعر بعد أن سلبت منه و بذلك نهض بالشعر من قاع منحدر إلى قمة شامخة و ظهر ذلك في :
أولا ً : الأسلوب :
1 - ارتقي بالكلمة و العبارة من الضعف و الابتذال إلى صحة التركيب و قوته .
2 - ابتعد عن البديع المتكلف إلى الرصانة ( الإحكام )و التحرر .
3 - انتقل من التعقيد و الغموض إلى الوضوح و الإفصاح .
يقول البارودى إحساسا منه بالدور الذى قام به لإحياء الشعر :
أحييت أنفاس القريض بمنطقى      و صرعت فرسان العجاج بلهذمى
-القريض : الشعر                         – العجاج : المراد الحرب                         – لهذمى : سيفى
ثانياً : الموضوع :
1 - ابتعد بموضوعاته عن التكرار و السطحية و اتجه إلى التجدد و التنوع .
2 -عبر عن الأحاسيس الذاتية و الحياة المعاصرة ، و القضايا القومية و أحداث العصر.
3 - انتقل بالموضوع الشعري من الأمور الشخصية التافهة إلى الأمور العامة مثل دوره في إحياء الشعر العربي و وصف الطبيعة و الشوق لمصر و الحروب التي خاضها و رثاء والده و زوجته و ابنه و يتغزل و يكتب في السياسة و الوطنيات. 
يقول في شكواه من المنافقين:
       أنا فى زمان غادر ومعاشر                يتلونـــون تلــــون الحرباء
ثالثاً : الخيال :
1 - انتقل بالخيال من الضيق و السطحية إلى التحليق في سماء الشعر .
2 – اعتمد على حواسه في أن يجعل من الصور لوحات فنية متحركة مرئية و مسموعة ، و يظهر ذلك في وصف الطبيعة و الحروب و المعارك و الشوق لمصر.
يقول عن تجربته مع الخيال الشعرى:
    تعرَّض لى يوما فصوّرت حسنه             ببلورتى عينى فى صفحة القلب
رابعاً : العاطفة :
انتقل بها من البرودة و الجفاف إلى الحيوية و الحركة و الذاتية .
خامساً : الموسيقـا :
حافظ فيها علي وحدة الوزن و القافية و كانت عنده ذات رنين قوي أخاذ .
محاكاة البارودي للقدماء في أشعارهم
كان محاكاته نابعة من روح المنافسة و تحدي الممتازين ؛ ليثبت أنه مثلهم فقد جاري عظماء الشعر في العصر الجاهلي و الإسلامي و الأموي و العباسي مثل ( امرئ القيس والنابغة و عنترة و المتنبى و ابن زيدون و أبى نواس .. و غيرهم ) . و انصرف عن شعراء العصرين المملوكي و العثماني معتمداً علي نقاء الذهن و الفطرة السليمة و حفظه للجيد من الأشعار و تتلمذه علي يد الشيخ حسين المرصفي .
- و من أمثلة مجاراته للقدماء والتقائه بهم قوله مستمدا من أبى نواس :
و كم ليلة أفنيت عمر ظلامها          إلى أن بدا للصبح فيه قتير
- و يقول أبو نواس :
ومازلت توليه النصيحة يافعا         إلى أن بدا فى العارضين قتير
-القتير : أول ما يظهر من الشيب .    - يافعا : من يفع أى ترعرع و ناهز البلوغ .
الخصائص الفنية لمدرسة الإحياء و البعث
 1- تعدد الأغراض فى القصيدة كالفخر والوصف والحكمة و غيرها.
2 - البدء بالنسيب ( الغزل ) .
3 - تقليد القدماء فى موضوعاتهم من مدح وغزل ورثاء وفخر و هجاء.
4 – قيام القصيدة على وحدة البيت بحيث يكون البيت مستقلا عن الأبيات  .
5 - مخاطبة الصاحبين على عادة القدماء .
6 - التزام الوزن الواحد و القافية الموحدة .
7 - تقليد القدماء في الأخيلة و الصور و التراكيب .
8-العناية بانتقاء الألفاظ الأصيلة و بالأسلوب و بلاغته .
تلاميذ البارودى
- خطا تلاميذ البارودي بالشعر خطوة فاقت ما صنعه أستاذهم فقد ساروا علي نهجه و اعتمدوا علي التعلم منه بــ :
1- المشافهة : أمثال حافظ إبراهيم و أحمد شوقي في مصر .
2- المراسلة : أمثال شكيب أرسلان في سوريا و الزهاوي في العراق .
3- المتابعة : من خلال ما نشر من شعره في كتاب (الوسيلة الأدبية) .
هذا الجيل الذي تكون أخذ يطور الاتجاه الذي أرسي البارودي دعائمه فأكملوا ما بدأه  وزادوا عليه
أسباب اتجاه تلاميذ البارودي للتطوير والتجديد
1 - الانفتاح على الثقافة الأوربية, عن طريق معرفتهم للغات الأجنبية, واختلاطهم بالأجانب , وقراءتهم للمترجمات الغربية وبخاصة بعد الاحتلال البريطاني لمصر .
2 - النضال الوطني, والذي أدي إلى الوعي بالتراث القديم وعظمة الماضي العريق مما جعلهم يعتزون بهذا الماضي .
3 - الإيمان بفكرة الجامعة الإسلامية, التي تعد رمز الوحدة بين المسلمين في مواجهة الاستعمار الأجنبي , مما دفعهم لحث الشعب على الثورة عليه وعلى جرائمه .
4 - مواقفهم من الأحداث الجارية وبخاصة التي طرأت على الأمة, ومن أهمها القصر الحاكم , وجوانب الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي , وقانون المطبوعات , وحرية الصحافة , وتعدد الأحزاب , وتحرير المرأة , وقد عبروا عن مواقفهم منها من خلال تسجيلهم  لكل هذه الأحداث وغيرها في أشعارهم .



سمات التجديد عند تلاميذ البارودى
( أ ) عالجوا مشكلات مجتمعهم و عالمهم الإسلامي .
(ب) الاهتمام بالجماهير و آمالها .
(جـ)  مال أسلوبهم الي السهولة بسبب ارتباطهم بالصحافة .
( د ) عبروا عن روح عصرهم الذي عـاشوا في جميع نواحيه الاجتماعية و الثقـافية والفكرية و الأخلاقية و هذا تمثله الكلاسيكية الجديدة .
 (هـ) خطوا بالشعر خطوات عظيمة إذ اهتموا بالجانب الوجداني و لم يهتموا بالمحاكاة و التقليد بل تفوقوا علي البارودي في الاهتمام بالصياغة وروعة البيان و حلاوة الموسيقا.
 ( و ) التنوع في الأغراض و ابتكار المعاني و في سبيل ذلك ساروا في اتجاهين:
1-الاهتمام بثقافة العصر .                 2-الأخذ من التراث .    
دور أحمد شوقى في تطوير المدرسة الكلاسيكية الجديدة
لقد تهيأ لشوقي من الظروف ما لم يتهيأ لغيره من تلامذة البارودى فقد أتيح لشوقي أن يُبعث إلي فرنسا و يدرس الأدب و القانون . و أتيح له أن يرى المسرح ويتصل بكبار الشعراء أمثال ( هوجو – راسين – دى موسيه ) . هذا بالإضافة إلى ثقافته التركية وتأثره بالجمهور والنقاد والحركة الوطنية .
- دورشوقي في تطوير الشعر يتمثل في :
1-عدل عن المديح و اتجه إلى التاريخ كما في قصيدته ( كبار الحوادث في وادي النيل ). يقول :
همت الفلك و احتواها الماء          وحداها بمن تقل الرجاء
2-اتجه نحو المنجزات العصرية . يقول عن الطائرة :
أعقاب فى عنان الجو لاح         أم سحاب فر من هوج الرياح
3-اتجه في شعره اتجاهاً إسلامياً .
4-ريادته للمسرح العربي و تجديده في الشكل و المضمون ، فقد أكمل بناء المسرح الشعري ، و ألف عدة مسرحيات ، مثل : علي بك الكبير ، و مجنون ليلى و مصـرع كليوباترا و قمبيز ( مسرحيات تاريخية ) و الست هدى ( مسرحية اجتماعية ) .  و كل مسرحياته شعرية عدا مسرحية ( أميرة الأندلس ) كتبت نثرًا مع أن بطلها أو أحد أبطالها البارزين هو الشاعر المعتمد بن عباد.



دور  أحمد محرم في تطويع الشعر العربي
يعد من رواد النهضة في أدبنا العربي المعاصر ، كان شديد الاعتزاز بعروبته و إسلامه و كان من دعاة الجامعة الإسلامية و عودة الخلافة . و قد حاول أحمد محرم أن يطوع الشعر العربي للقصص التاريخي الحماسي فألف سنة 1933 ديوان ( مجد الإسلام ) التي يسميها البعض "الإلياذة الإسلامية" . و تعد الإلياذة الإسلامية أهم أعماله و هى محاولة من الشاعر لإيجاد فن الملحمة في الشعر العربي ، على غرار ملاحم الأمم الأوروبية .
- و كان قد بدأها بقوله :   

امـلأ الأرض يـا محمد نورًا      و اغمر الناس حكمة  والدهورا